عبد القاهر الجرجاني

72

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

66 - هذا ما ينبغي للعاقلِ أن يَجْعلَه على ذكر منه أبدًا ، وأن يعلم أنه ليسَ لنا إذا نحنُ تَكلِّمْنَا في البلاغةِ والفصاحةِ 1 معَ معاني الكلِم المفردةِ شغلٌ ، ولا هيَ منَّا بسبيل ، وإِنَّما نَعْمَد إلى الأحكام التي تَحْدُثُ بالتأليف والتركيب . وإذْ قد عرَفْتَ مكانَ هذه المزيةِ والمبالغةَ التي لا تزالُ تَسْمع بها ، وأَنها في الإثباتِ دونَ المُثْبَتِ ، فإنَّ لها في كلَّ واحدٍ من هذه الأجناس سَبباً وعلَّة . أما " الكنايةُ " ، فإنَّ السببَ في أنْ كانَ للإثباتِ بها مزيةٌ لا تكونُ للتَّصريح 2 ، أنَّ كلَّ عاقلٍ يَعْلمُ إذا رجعَ إلى نفسهِ ، أَنَّ إثباتَ الصفةِ بإثباتِ دَليلِها ، وإِيجابَها بما هُو شاهِدٌ في وجودِها ، آكدُ وأبلغُ في الدعوى من أن تجيء إليها فثبتها هكذا ساذَجاً غُفْلاً . وذلك أنَّكَ لا تدَّعي شاهدَ الصفةِ ودليلهَا إلاَّ والأَمرُ ظاهرٌ معروفٌ ، وبحيثُ لا يُشَكُّ فيه ، ولاَ يُظَنُّ بالمُخْبر التجوُّزُ والغَلَطُ . وأما " الاستعارةُ " ، فسبَبُ ما تَرى لها من المزيّةِ والفخامةِ 3 ، أَنَّك إذا قُلْتَ : " رأيتُ أسداً " ، كنتَ قد تلطَّفْتَ لما أَردْتَ إثباتَه له من فَرْط الشَّجاعةِ ، حتى جعلْتَها كالشَّيءِ الذي يَجبُ له الثبوتُ والحصولُ ، وكالأمرُ الذي نُصِبَ له دليلٌ يَقطع بوجودهِ . وذلك أَنه إذا كان أَسداً ، فواجبٌ أن تكونَ له تلك الشجاعةُ العظيمةُ ، وكالمُستحيلِ أو الممتنعِ أنْ يَعْرى عنها . وإِذا صرَّحتَ بالتَّشبيه فقلتَ : " رأيتُ رجلاً كالأسد " ، كنتَ قد أَثبتَّها إثباتَ .

--> 1 السياق : " . . . . أن ليس لنا . . . مع معاني الكلم . . . " . 2 في " ج " أسقط : " فأن السبب في " وكتب : " وإن كان للإثبات " . 3 في " ج " : " فبسبب " .